رجب جلال يكتب: “عدودة مصرية”.. عن حزن “صباح العيد” الذي ينهش الكبد على رحيل الأحباب

الكاتب الصحفي رجب جلال.
الكاتب الصحفي رجب جلال.

>>> تراث بديع مهدد بالانقراض.. والأمل في وزارة الثقافة وقناة الوثائقية لحفظه وتسجيله في “يونسكو”

***

(يا كشمير الحبايب..

بالعجل جبناه..

جتنا المنية..

في الدولاب فوتناه).

تصاعد الأنين من صوت أمي والدموع من عينيها وهي تردد هذه “العدّودة” بينما هي منكبة في حضن قبر خالي..

هذه “العدودة” معناها أن الملابس الجديدة الفاخرة سبق شراؤها بسرعة لفرح أو مناسبة، لكن صاحبها أدركته المنية فتركها كما هي، و”الكشمير” ملابس قيمة تصنع في الإقليم الذي يحمل الاسم نفسه والمتنازع عليه بين الهند وباكستان.

أيقظ الشجن القادم من صوت أمي وخالاتي، الألم في قلبي على الأحباب الراحلين، أجدادي وجداتي، أعمامي وعماتي، أخوالي وخالاتي، ابن عمتي وابن شقيقه، وأخي الصغير، جلست أتلمس روائحهم ونحن نجلس بين قبورهم في صباح يوم العيد، كما اعتدنا في الصعيد أن نزور موتانا صباح كل عيد، وبالتزامن مع أي جنازة، لنؤنس وحدتهم، ونطلعهم على أحوالنا، ونطمئنهم على من تركوا خلفهم، وكأننا فطمنا على أن نبدأ “العيد” بـ “العديد”.

و”العدودة” مفرد “عديد” أو “أعاديد” – عكس الزغاريد أو الأغاريد وأغاني المناسبات المبهجة – وهي النواح على الميت وذكر محاسنه ومناقبه ووصف شكل الحياة في غيابه، ومن تؤدي هذا الفعل تسمى “معددة” أو “ندابة” كتلك التي تظهر في الدراما والسينما في أداء يثير الضحك أكثر مما يبعث على الأسى.

“العديد” نوع من شعر البكائيات له قافية أو سجع لكن ليس له وزن، تنشده النسوة في الجنازات بنغمة حزينة عنيفة، لكنها مميزة، ويحمل بين طياته آلاف الصور الأدبية والشعرية والاستعارات والكنايات التي تخترق الكبد، وتخرج الحزن من أعمق مكنونات الأحشاء، أما الموسيقى الرتيبة العنيفة فتخترق العيون فتسحب منها الدموع الساخنة المالحة في لحظات.

هذه الأبيات الشعرية – أو المربعات إن شئنا الدقة – ليست مكتوبة وغير منسوبة لكاتب أو مؤلف بعينه، ولكنها ربما تكون امتداداً للأناشيد الجنائزية عند المصريين القدامى، وحفظتها النساء عبر الأجيال، فأصبحت تراثاً شعبياً متجذراً في الريف خاصة الصعيد، وكلما توغلت إلى الجنوب كلما ازدادت “العدودة” قوةً ورصانة، وأيضاً كلما كثرت طقوس الحزن وطال زمنها، وأصبح “العديد” أحد أهم أدبيات الحزن في الصعيد، ربما لأن الجنوب اعتمد على الغناء باعتباره الوسيلة الأبرز والأكثر قداسة أو “شرعية” للتعبير عن الحزن والفرح، وإعلان لما يمكن أن يخجل الجميع من التعبير عنه بالكلام العادي، خاصة إذا نظرنا إلى أغاني الأفراح وما تحويه من تعبيرات إباحية وإيحاءات جنسية مباشرة.

تحفظ أمي ككل نساء القرية المتقدمات في العمر، آلاف “العديد” الذي يختلف حسب حالة كل ميت من حيث النوع والسن والحالة الاجتماعية ومكان الوفاة، فالطفل له “عديد” يختلف عن الشاب أو الرجل أو الكهل، من مات دون زواج أو أولاد له “عديد” يختلف عمن توفي وهو متزوج أو له ذرية، “العديد” للفتاة التي رحلت عزباء أشد قسوة ومرارة عن غيرها، فعند تغسيلها يتحدث النسوة بلسانها:

(الغاسلة قعدت ورا أكتافي..

حلت ضفايري وبللت راسي..

الغاسلة قعدت ورا ضهري..

حلت ضفايري وبللت شعري).

وعند خروج النعش من المنزل، يخاطبن القبر:

(جايلك عروسة محنية الكفوف والكعب..

خدت معاها الهنا وسابت وجع القلب)

أما المرأة التي توفيت وكان أبناؤها كباراً وحضروا غسلها وحملوها بأيديهم إلى قبرها، فيختلف “عديدها” عن تلك التي تركت خلفهاً أطفالاً صغاراً إذ يخترق “عديدها” ثنايا الروح حتى تنزف:

(غراب البين ع النخيل عم يبكي..

ع اللي تفوت عيالها وتمشي..

غراب البين ع النخيل بينوح

ع اللي تفوت عيالها وتروح).

ثم تنقل النسوة “العديد” إلى الأيتام الذين تركتهم ضعافاً، خاصة إذا لم يكن هناك من يرعاهم بعدها:

(وقع اليتيم ونَدَه لأمه..

ردت دموعه وغرقت كُمُّه).

ورغم حزنهن على اليتامى وحاجتهم إلى من يرعاهم، إلا أنهن يحذرن والدهم من الزواج بعدها حتى لا يأتي بـ “مرات أب” لا تحنو على صغاره:

(يا مرت أبويا يا عقدة اللحلاح..

ميتى تموتي وأمسك المفتاح..

يا مرت أبويا يا قفة النعناع..

من يوم ما جيتي والصغير جاع).

ويشتد نواح النساء عند “العديد” على ميت في ريعان شبابه، يبكين بحرقة وهن يفكرن في أبنائهن الأحياء ويدعون لهم في السر:

(يا عود طري واتلوى..

ميل ومال ع الأرض..

عشية كان بينا..

والليلة تحت الأرض).

كل هذا بخلاف قسم خاص “للعديد” على من مات غريقاً أو في حادث من أي نوع، أو بعيداً عن بيته:

(وحشتني والشوق خلاني لك حنيت..

شيعت لك مرسال تجيني تحت البيت..

سامحيني يا ….. إني ما رديت..

أنا في قرار اللحد ما حسيت)

وتبدو هذه “العدودة” وكأنها حوار بين الفاقدة وفقيدها (أم وابنها أو امرأة وزوجها أو أخيها)، فهي تخبره بأنها أرسلت له من يستدعيه لأنها تشتاق إليه، فيرد هو معتذراً بأنه لم يشعر بالمرسال لأنه في عمق الأرض داخل لحده، وبحسب طبيعة العلاقة بين الفاقدة والمفقودة تتغير الكلمة مكان النقاط (سامحيني يا أمي/ يا أختي/ يا بنتي.. إلخ).

هذا الحوار مع الميت، والحديث نيابة عنه، والحديث إليه، سمة أساسية في “العديد”، وكأن هدف الحوار البحث عن حالة من الونس للحي وللميت على السواء، وتظهر “العدودة” وكأنها محاولة لدمج عالمين مختلفين ببعض، أو للتأكيد على أن الفقيد لم يمت ولا يزال يتحدث إلى أهله:

(وعملتي إيه ساعة طلوع روحي؟..

بقيت أسف الحنضلة بلوحي..

وعملتي إيه ساعة طلوع الروح؟..

بقيت أسف الحنضلة باللوح”.

هذا ديالوج كامل بين الفقيد الذي يسأل أمه أو أخته أو زوجته عما فعلت عندما لقي ربه، فتجيب بأنها تجرعت الحنظل بكلتا كفيها.

ويصل الحوار إلى حد مخاطبة حتى “الدود في القبر”:

(يا دود كُل مِنه وخَلي لي..

خَلِّي دِراع السبع يحميني..

يا دود كُل منه وفَضّل لي..

خلي دراع السبع يضمني)

أما الذي مات قتيلاً فإن له “عديد” يمزج بين الحزن الطبيعي عليه وتعديد صفاته العظيمة، وفي الوقت نفسه يطرح تساؤلات عن ظروف قتله، ويحفز على الثأر له ممن قتله:

(زقزق يا عصفور وازعق يا غراب..

فلان مقتول ومرمي في الخراب

يا عايق يا أبو بلينة..

دي رصاصة ولا سكينة..

فين الرجالة السدَّادة..

اضربوا عز القيالة..

فين الرجالة المسمية..

اضربوا عز الضهرية).

وتصل كراهية الموت والهجوم عليه إلى حد “القباحة” وسؤاله باستنكار عن أسباب أخذه الأشخاص الطيبين رغم أن السيئين كثيرون:

(يا موت يا عرص يا معرّص..

خدت المليح.. ياك الوحش خلّص).

وفي بعض الأحيان خاصة عند النوازل الشديدة والفواجع التي تتمثل في موت شقيقين أو أكثر، أو عدة أفراد من أسرة واحدة كما في الحوادث، يتجاوز “العديد” قسوة الحزن نفسه، إلى مرحلة تقترب من الكفر بالاعتراض على الموت، وتهديد الله عز وجل (استغفر الله العظيم):

(لولا الملامة لا جيب سلم وأطلع لفوق..

وأعاتبك ع اللي عملته يا قليل الذوق).

وعادة ما تكون هذه المصائب مصحوبة بعادات جاهلية أعنف في التعبير عن رفض الموت، أبرزها لطم الخدود، وشق الثياب، وهيل التراب على الرؤوس.

لكن عندما تهدأ الجنازة قليلاً، أو في اليوم التالي، تغير النساء اتجاه “العديد” إلى ما يبدو أنه ندم أو اعتذار عن “العدودة” السابقة:

(والله إن بكيتي استغفري ربك..

على ده الصحابة والنبي قبلك..

والله إن بكيتي استغفري الرحمن..

على ده الصحابة والنبي العدنان).

ولا يقتصر “العديد” على الميت الحالي، فعندما تذهب النسوة إلى جنازة قريب أو جار، خاصة في اليومين الثاني والثالث للعزاء، فإنهن ينتقلن إلى “العديد” على أقاربهن خاصة لو كانوا راحلين منذ فترة قصيرة، كما “يعددن” على أنفسهن تنفيساً عن حزنهن الشخصي الكامن نتيجة الضغوط الاجتماعية والكبت على اتساع دائرته، كما “تعدد” المرأة كلما خلت إلى نفسها وفاض صدرها بمعاناتها الشخصية، أو معاناة أسرتها، فتبكي حالها:

(قالوا حزينة.. أنا قلت من يومي..

قسموا النوايب.. طلع الكبير كومي)

هذا التراث البديع غير الموجود ربما في أي دولة أخرى، مهدد بالانقراض بعد انتهاء جيل الجدات والأمهات، خاصة بعد انتشار تعليم الفتيات وثورتهن غير الظاهرة على العادات ورفضهن تقليد الأمهات، وهنا يبقى الأمل في وزارة الثقافة وزارة الثقافة المصرية ، وقناة الوثائقية الوثائقية الرائعة بأفكارها المختلفة، ورئيسها المجدد شريف سعيد، والأستاذ محمد العسيري، باعتباره الحارس الأمين على الأغنية المصرية منذ عقود، العمل على حفظه، ليس عن طريق الكتب فهناك من فعل ذلك، ولكن حفظه كتراث مصور لتعرفه الأجيال، والعمل على تسجيله في منظمة “يونسكو” كتراث غير مادي.

موضوعات ذات صلة