المستشار أحمد سلام يكتب: جائزة نوبل.. لمن يصنع السلام أم لمن يطلبها؟!

أحمد سلام - المستشار الإعلامي المصري السابق ببكين والخبير بالشئون الدولية
أحمد سلام - المستشار الإعلامي المصري السابق ببكين والخبير بالشئون الدولية

منذ أن أصبحت جائزة نوبل للسلام إحدى أبرز الجوائز العالمية، وهي محل جدل مستمر حول مدى استحقاق بعض من مُنحت لهم. وفي عالم اليوم، تتجلى مفارقة واضحة بين من يركّز على الترويج لذاته كصانع للسلام، ومن يبني سُبل السلام بهدوء واستدامة دون ضجيج.

تأسست الجائزة بناءً على وصية الصناعي السويدي ألفريد نوبل، مخترع الديناميت، الذي أوصى قبل وفاته عام 1896 بأن تُخصص ثروته لإنشاء جوائز تُمنح لمن “يقدم أعظم إسهام للبشرية” في مجالات متعددة، منها السلام.

وقد مُنحت أول جائزة للسلام عام 1901 مناصفة بين: جان هنري دونان (سويسرا) – مؤسس اللجنة الدولية للصليب الأحمر، تقديرًا لجهوده في رعاية ضحايا الحروب.
وفرديريك باسّي (فرنسا) – اقتصادي وبرلماني، وأحد أبرز المدافعين عن السلم الدولي ، وقد شكّل هذا التكريم في بدايته رمزًا لتقدير الجهود الإنسانية الصادقة في خدمة البشرية.

تُسلَّم الجائزة سنويًا في العاشر من ديسمبر (ذكرى وفاة نوبل)، ويُعلن عنها عادة في أكتوبر ، خلال السنوات الماضية حصل عليها عدد من القادة والشخصيات البارزة مثل: مارتن لوثر كينغ لنضاله ضد التمييز العنصري، ونيلسون مانديلا وفريدريك دي كليرك لإنهاء الفصل العنصري بجنوب إفريقيا، والأم تيريزا لخدمتها الإنسانية، والرئيس أنور السادات بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد، وباراك أوباما “لجهوده الاستثنائية لتعزيز الدبلوماسية” – وهي جائزة أثارت نقاشًا واسعًا.

ورغم ما تحمله الجائزة من رمزية، إلا أن لجنة نوبل واجهت انتقادات، أبرزها عدم منح الجائزة للمهاتما (غاندي) رغم ترشيحه أكثر من مرة، ومنحها في أحيان لشخصيات أثارت قراراتها الجدل مثل هنري كيسنجر.

أعرب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أكثر من مرة عن رغبته في نيل الجائزة، ولم يُخفِ امتعاضه من منحها لأوباما. مستنداً في ذلك إلى اتفاقيات التطبيع في الشرق الأوسط (اتفاقات إبراهام) ومبادراته في الملف الكوري ومحادثات مع الهند وباكستان.

ورغم ذلك، فإن معظم هذه التحركات وُصفت في تقارير دولية بأنها لم تؤسس لسلام مستدام، بل جاءت في سياقات سياسية وقتية دون حلول دائمة للصراعات المعقدة.

في المقابل، يقدم الرئيس الصيني شي جين بينغ نموذجًا مختلفًا للسلام، يعتمد على بناء بيئة عالمية مستقرة عبر التنمية والتكامل واحترام الخصوصيات الثقافية.

من خلال مبادرة الحزام والطريق، ومبادرتي الأمن والتنمية العالميتين، طُرحت مفاهيم تركز على السلام كنتاج للشراكة المتوازنة وليس الهيمنة. وقد أسهمت الصين في تقريب وجهات النظر في ملفات معقدة، مثل المصالحة السعودية-الإيرانية، ودعم الاستقرار في قضايا متعددة من أوكرانيا إلى كوريا الشمالية، عبر دور دبلوماسي غير استعراضي.

ومن المبادرات المهمة التي أطلقها الرئيس الصيني أيضًا، مبادرة الحضارات العالمية، التي تقوم على مبدأ احترام تنوع الحضارات والثقافات، وتعزيز الحوار بدلاً من الصدام. وتدعو المبادرة إلى تحقيق السلام العالمي من خلال التفاهم المتبادل، والتعلّم المشترك، والتعايش السلمي، بما يشكل أرضية ثقافية وروحية لأي سلام حقيقي.

إنها رؤية تنظر للسلام ليس فقط كمحصلة لاتفاقات سياسية، بل كمناخ شامل يقوم على العدالة والاحترام والازدهار المشترك، وهو ما يتوافق مع روح نوبل التي تبحث عن الإسهامات الأعمق في خدمة البشرية.

جائزة نوبل للسلام ليست ميدالية تُعلّق على الصدور بقدر ما هي اعتراف عالمي بمن يسهم فعليًا في تحويل العالم إلى مكان أكثر عدلاً وسلامًا.

وفي زمنٍ تتكاثر فيه الشعارات وتقل فيه المبادرات الحقيقية، يصبح لزامًا على لجان التحكيم، كما على الضمير العالمي، أن يُعيد تعريف من يستحق التكريم فالأوسمة لا تصنع المجد، بل تصنعه الأيادي التي تبني، والقلوب التي تُصلح، والعقول التي تزرع الأمل ، السلام الحقيقي لا يُصنع في المؤتمرات وحدها، بل يُبنى في الموانئ المفتوحة، وخطوط السكك الحديدية العابرة للحدود، وفي المستشفيات والمدارس والبنى التحتية التي تربط بين الشعوب.

لقد آن الأوان لأن تتوقف الجائزة عن مكافأة الوعود، وتبدأ بتكريم من يصنعون التغيير بالفعل – بهدوء، بإصرار، وبإيمان راسخ بأن السلام لا يُقال… بل يُفعل.

*كاتب المقال: أحمد سلام، المستشار الإعلامي المصري السابق ببكين، والخبير بالشئون الدولية.

للتواصل مع الكاتب عبر البريد الإلكتروني: Sallamahmed2@gmail.com

موضوعات ذات صلة