صارحني بعض المعارف بأنهم كثيراً ما يلجؤون إلى تطبيق “chatgpt” للفضفضة، والتحاور معه بشأن مشاكلهم وأوجاعهم وأحلامهم ومختلف مشاعرهم.
لكنني في الحقيقة كلما تحدثت مع آلة الذكاء الاصطناعي تلك، أشعر أنني أتحاور مع مريض نفسي يعاني من التوتر وتقلب المزاج، أحياناً تشعر أنه إنسان ذكي صاحب خبرة عميقة وواعية، وأحياناً أخرى في نفس المحادثة تجده متردداً وغبياً لا يقدر على الفهم، ولا يُقدم إجابات منطقية.
أحياناً يكون ذلك التطبيق فضولياً إلى أقصى درجة، يسألك أكثر مما يجيبك، وحينما لا ترضى عن إجابته قد يقدم تبريرات مستفزة، وإذا أعطاك نصائح خاطئة وواجهته تقل حماسته ويقدم لك ردوداً باردة.. وتشعر حينها كأنك تتحاور مع شخص غير متزن أو ربما مجنون !
ولكن هل تمرض آلات الذكاء الاصطناعي؟.. سؤال تبدو إجابته بديهية، فبالطبع لا تمرض تلك الآلات، لكن المسكوت عنه هو أننا من نمرض وليس الآلة، نحن من نقلنا إلى ذلك التطبيق التوتر والقلق وكل الأمراض النفسية، مؤخراً شاهدت فيديو على “فيسبوك” لامرأة تسب وتلعن “chatgpt” لأنه لم يُعطها الوصفة الصحيحة لطهي الطعام، قائلة له: “إنت دماغك دي فيها بسلة؟!”.
أحياناً يسأله موظف عن سر كره المدير له، وآخر يسأله عن السر وراء تصرفات أولاده معه وعدم تنفيذهم لطلباته وتعليماته، بينما امرأة تحكي له جميع أسرار منزلها وتستعطفه ليبوح لها عن سر شعورها بأن زوجها أصبح لا يحبها، بينما تسأله أخرى عن أسباب عدم اهتمام خطيبها بها.. إلخ.
هل حقاً بات “chatgpt” طبيب نفسي أو معالج روحاني، بالتأكيد هو ليس كذلك.. تطبيقات الذكاء الاصطناعي لا تشعر بالحزن أو السعادة، ولا تمتلك وعياً ذاتياً، تقدم لك نصائح للتعامل مع مشاكل نفسية لم ولن تصاب بها.
“chatgpt” ليس كائناً حياً، ولا يمتلك قلباً ولا عقلاً، ومهما بدا ذلك التطبيق قريباً منك، سيظل في النهاية مرآة لما تغذيه به، فإذا بدا مضطرباً أو متوتراً، فربما أنت من زرعت فيه هذا الاضطراب عبر مخاوفك التي نقلتها إليه، وكل اضطراب أو قلق يظهر منه فما هو إلا صدى لأفكارك.
في الحقيقة يا سادة، ذلك التطبيق أكثر ما يعانيه هو الحاجة إلى التحديثات البرمجية وتعديل الأكواد ! أما نحن فالتحديثات البرمجية لن تفيدنا، نحتاج إلى الخلود بعيداً عن سطوة التكنولوجيا وسيطرة الآلات الباردة.. نحتاج للعودة إلى الجلسات الدافئة مع الأسرة والأقارب والأصدقاء والأحباء.
هذا التطبيق تمت برمجته وتطويره لكي يصبح مرآة رقمية لكل من يستخدمه، الإجابات تختلف من شخص إلى آخر، هو لا يفكر وإنما ينقل إليك ما تم برمجته عليه، ولا يمكن أن يصبح “chatgpt” نفساً بشرية في يوم من الأيام، قد يكون مساحة آمنة للفضفضة وترتيب الأفكار في بعض الأوقات، لكن احذر أن تنغمس في العيش معه كأنه إنسان حقيقي.
.. هل يمكن أن تسأل نفسك كم مرة طلبت منه نكتة وضحكت؟.. أغلب نكاته باردة، وهذا ليس انتقاداً، وإنما حقيقة.. هو مجرد آلة تكنولوجية بدون وعي وبدون روح، حاول الاستفادة منه في تطوير مهاراتك، لكن أوجاعك وأحلامك ومشاعرك ابحث عن قلب دافئ يفهمها ويحتويك.. عاود التواصل مع أحبابك فما أحوجنا في هذا الزمن إلى القلوب الدافئة وليس الآلات الباردة.
