بقلم: عمران السكران
في عصر الإعلام الرقمي، لم تعد المعلومة سلعة نادرة، بل أصبح الانتباه البشري هو المورد الأثمن، فوسط طوفان من البيانات والمحتوى المتدفق بلا توقف، تتسابق المنصات الرقمية على جذب أعين المستخدمين، واستبقائهم لأطول وقت ممكن، في ما بات يُعرف بـ”اقتصاد الانتباه” (Attention Economy).
هذا التحول العميق في بنية الإعلام لا يغير فقط طريقة استهلاكنا للمعلومة، بل يعيد تشكيل وعينا الجماعي بطريقة قد تكون مقلقة في كثير من الأحيان.
يعود مفهوم اقتصاد الانتباه إلى العالم هربرت سايمون الذي حذّر منذ عام 1971 من أن “وفرة المعلومات تعني فقرًا في الانتباه”، لكن هذا التحذير لم يُأخذ على محمل الجد إلا بعد أن غزت الخوارزميات الرقمية حياتنا اليومية، لتتحول إلى أداة ناعمة تتحكم بما نراه، ونفكر فيه، وحتى ما نشعر به، ففيسبوك، ويوتيوب، وتيك توك، وإنستغرام وغيرها، لا تقدم محتوى عشوائيًا، بل تعمل وفق خوارزميات معقدة تتنبأ بما قد يجذب انتباهنا، فتعرضه لنا لتُبقي أعيننا معلقة بالشاشات.
هذه المنصات لا تبيع خدمات للمستخدمين، بل تبيع المستخدمين أنفسهم للمعلنين، فكل ثانية إضافية نقضيها في التصفح تعني فرصة إضافية لعرض إعلان، وكل تفاعل يعني بيانات يمكن استثمارها ماليًا، وكما يوضح تيم وو في كتابه “تجار الانتباه” (The Attention Merchants)، فإن هذه الشركات تستعمر وعينا اليومي دون إذن صريح منا.
وتظهر الدراسات أن المحتوى المثير للانفعالات – كالغضب والخوف والدهشة – يحظى بنصيب الأسد من الانتشار، فدراسة لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) وجدت أن الأخبار الكاذبة تنتشر أسرع بنسبة 70% من الأخبار الصحيحة على منصة X (تويتر سابقًا)، لأن الكذب عادة ما يكون أكثر إثارة للعاطفة، أما على فيسبوك ويوتيوب، فإن الخوارزميات تُفضل المحتوى المثير للجدل، لأنه ببساطة يولّد مزيدًا من التفاعل، والمزيد من الوقت داخل المنصة.
لكن لهذه اللعبة ثمن باهظ، إذ تساهم خوارزميات التخصيص المفرط في خلق “فقاعات فكرية” تحاصر المستخدم في محتوى يُعزز آراءه المسبقة، ويقلل من تعرضه لوجهات نظر مختلفة، هذا ما يُعرف بظاهرة “غرف الصدى”، التي تعمّق الانقسامات الاجتماعية وتضعف الحوار الديمقراطي، بل وتُشجع على التطرف والاستقطاب.
الأمر لا يقف عند هذا الحد، فالاستهلاك السريع والمكثف لمحتوى سطحي ومتشابه يؤثر أيضًا على الصحة النفسية، خصوصًا بين الفئات العمرية الأصغر، فبحسب دراسات طبية وأكاديمية متعددة، يؤدي التعرض المستمر للمحتوى المقارن أو المثير للقلق إلى زيادة معدلات القلق والاكتئاب وقلة تقدير الذات، بالإضافة إلى الإدمان الرقمي.
وفي السياق العربي، يبدو أن المستخدمين أقل وعيًا بمخاطر هذه الخوارزميات، ما يجعلهم أكثر عرضة للابتزاز العاطفي والمعلومات الزائفة، ويُلاحظ ذلك بوضوح من خلال النقاشات العامة على منصات التواصل، حيث يتم تداول محتويات مضللة دون تحقق أو تمحيص.
الخبراء يدعون إلى سلسلة من التدابير لمواجهة هذا الانحدار، من أبرزها تطوير خوارزميات أخلاقية تُفضل المحتوى المفيد على المثير، وتعزيز التربية الإعلامية والرقمية داخل المؤسسات التعليمية، وتفعيل قوانين الشفافية التي تلزم المنصات بكشف طريقة عمل خوارزمياتها.
في دراسة حديثة نشرتها مجلة البحوث والدراسات الإعلامية (2025) أعدّها الدكتور محمد الأسمري، شددت على ضرورة تعزيز “الكفاءة المعلوماتية” لدى المستخدمين العرب، من خلال تدريبهم على التقييم النقدي للمحتوى، وفهم خفايا الخوارزميات، وتنمية مهارات تنظيم الوقت وإدارة الانتباه.
وفي أوروبا، أصدرت المفوضية الأوروبية قانون الخدمات الرقمية (DSA) عام 2022، كإطار تنظيمي للمنصات الكبرى، يفرض عليها واجبات تتعلق بالشفافية وخفض التلاعب بالخوارزميات، ويمهد الطريق لحماية الخصوصية والانتباه البشري كحق إنساني، واتمنى أن تنتبه الجهات المعنية في الوطن العربي، لهذا الخطر وتقوم بإيجاد إطارا تنظيميا كما هو في أوروبا.
إن اقتصاد الانتباه لا يُعد مجرد تحول اقتصادي، بل هو انقلاب ثقافي وإعلامي عميق، يُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمعلومة، ورغم الفوائد التي قد توفرها الخوارزميات من تخصيص للمحتوى وتسريع للوصول إلى المعلومات، إلا أن السيطرة المطلقة عليها من قبل شركات ربحية يفرض علينا جميعًا – كأفراد ومؤسسات – مسؤولية جماعية لفهم آليات هذا الاقتصاد الجديد، ووضع حدود لما يمكن أن يُباع ويُشترى من وعينا.
