سامي جعفر يكتب: متولي في الأخبار

الكاتب الصحفي سامي جعفر
الكاتب الصحفي سامي جعفر

في عام 1999 تعرفت على زميل يدعى متولي، يعيش في منطقة بجام في شبرا الخيمة بجوار شارع ناصر، كان طالباً عادياً في قسم التعليم الصناعي بكلية التربية في جامعة المنوفية، لكن جمعنا تآلف بسيط.

وبسبب زياراتي إلى القاهرة لطرق أبواب الصحف، نزلت ضيفاً في منزله عدة مرات بعد تخرجنا، لم يكن مقتنعاً بأني سأحرز نجاحاً في الصحافة، ومع الوقت باعدت الحياة بيننا خصوصاً عندما ضاع رقم هاتفه وأصبح الذهاب إلى منزله عبئاً.

ما الذي يجعلني أتذكر متولي؟، الحقيقة أن متولي جزء من ذاكرتي لعدة أسباب، منها استضافتي التي سأظل ممتناً لها حتى أموت أو أنسى، والأهم أنه كان نموذجاً أحب متابعته لأن نجاحه أو فشله في مشروعه يمثل لي مؤشراً مهماً، أما مشروعه فعلمت به عندما أظهر لي “سبوت لايت” أو مصباح إضاءة موجه كان أحد الأدوات الكهربائية الجديدة في ديكورات الشقق السكنية وقتئذ، وسألني عن سعره فأجبت بأنني لا أعرف، فأخبرني أن النوع الصيني منه الذي يغرق الأسواق بـ4.5 إلى 5 جنيهات، ثم قال لي إن القطعة التي يحملها صنعها بنفسه بالاستعانة بالأدوات الموجودة في ورشة سمكرة السيارات المملوكة لوالده، وتكلفتها لا تتجاوز 1.5 جنيه، وبحسبة بسيطة فإنه يستطيع بيعها بـ3 جنيهات على الأكثر بعد صناعة مئات القطع شهرياً، مع العلم أن جودة منتجه أفضل مئات المرات من “سبوت لايت” الصيني، خصوصاً أن المنتجات الصينية كانت مشهورة بميزتين في ذلك الوقت، أنها رخيصة وسريعة التلف، لكن المشكلة كانت في تسويق “سبوت لايت متولي”.

كان مشروع متولي بالنسبة لي واعداً من الناحية النظرية، وكنت أنظر إليه باعتباره مليونير محتمل وقصة نجاح مضمونة.

لكن متولي في الزيارة التالية لي كشف أول المعوقات وهي رفض تجار الأدوات الكهربائية شراء منتجه رغم تحديه لهم بأن “سبوت لايت متولي” أفضل وأرخص من الصيني لأسباب منها الخوف من كونه موظف ضرائب متنكر، والثانية فكرة اللعب على المضمون وعدم السماح لمنتج منافس بالظهور في السوق المعتمد على الاستيراد والسبب الثاني فهمته بعد سنوات.

لا أعرف ما الذي يفعله متولي حالياً ولا أعرف هل أصبح مليونيرا أم لا، وهل نجح في تسويق “سبوت لايت” أم أن التنين الصيني التهم حلمه؟.

أعتقد أن قصة متولي تصلح بداية لفهم قصة التصنيع في مصر من الإبرة إلى الصاروخ كما يقولون، إذ لا يمكن أن يتطور مجتمع تبدو فيه أبواب النجاح والترقي المهني والاجتماعي مغلقة أمام الشباب، كما لا يمكن لمجتمع أن يحقق قفزة في التطور والتقدم في ظل منظومات وتشريعات ومؤسسات لا تملك آلية تفتح المجال أمام استثمار طاقات الشباب الذين يحملون أفكارا مختلفة.

المجتمعات تتقدم إلى الأمام، ليس بسبب ملايين البشر الذين يفعلون المنتظر منهم، لكن بآلاف الشباب الذين يملكون أفكارا بسيطة مختلفة وأحلام غير ملتصقة بالأرض وعدم رضا بالواقع ورغبة محمومة في النجاح ونفس قوية تتحمل الإرهاق ولا تعرف التعب أو اليأس.

لا أريد لمتولي – أي متولي وكل من هو متولي – أن ينجح بسهولة، لأن النجاح السهل موجود فقط في أحلام اليقظة والأفلام العربي ضعيفة المستوى والخيال، ولكن أريد لمتولي بيئة صناعية لا تدفعه إلى اليأس والرضا بالموجود.. فهل هذا أمر صعب؟.

موضوعات ذات صلة