عمران السكران يكتب: الورقة الصفراء في زمن الذكاء الاصطناعي

الكاتب الصحفي الأردني عمران السكران
الكاتب الصحفي الأردني عمران السكران

رغم أن الإنسان استطاع أن يزرع قلبًا ويطلق مركبة إلى المريخ ويطوّر ذكاءً صناعيًا يُشبه تفكيره، إلا أنه لا يزال عاجزًا عن تذكُّر كلمة مرور بريد إلكتروني أنشأه بنفسه قبل شهر فقط.
هذه المفارقة وحدها كافية لفهم التناقض بين التقدّم التكنولوجي والقصور البشري في أبسط تفاصيل الحياة الرقمية اليومية.
تقرير صادر عن شركة Verizon عام 2023 أشار إلى أن أكثر من 74% من حوادث اختراق البيانات سببها سلوكيات بشرية، وعلى رأسها كلمات المرور الضعيفة أو المعاد استخدامها.
وللتأكيد على أن هذه ليست مبالغة، تكفي العودة إلى تقرير NordPass حول أكثر كلمات المرور استخدامًا في العام ذاته، حيث جاءت العبارات الشهيرة مثل “123456” و”password” و”iloveyou” ضمن المراكز الأولى، مما يكشف أن خيال الناس في اختيار كلمات السر ما زال عالقًا في زمن بداية الإنترنت.
وبينما تقدّم الشركات خدمة المصادقة الثنائية (2FA) كحل ذهبي لتعزيز الأمان، أظهرت دراسة من معهد بونيمون أن كثيرًا من المستخدمين يتجاهلون هذه الميزة ببساطة لأنهم لا يحبون انتظار رسالة تحقق، أو لأنهم ينسون تطبيق المصادقة تمامًا.
المفارقة هنا أننا نثق بالبريد الإلكتروني البنكي أقل من ثقتنا في مشاهدة مقطع ترفيهي على تيك توك دون تأخير.
من جهة أخرى، توصي الإرشادات التقنية باستخدام تطبيقات مدير كلمات المرور، مثل LastPass و1Password، لحفظ عشرات أو مئات الكلمات المختلفة. ورغم ذلك، تكشف استطلاعات رأي من Pew Research ونورتون أن 70% من المستخدمين لا يثقون بهذه الأدوات خوفًا من اختراقها، ويفضّلون العودة إلى الورقة اللاصقة الصفراء خلف شاشة الحاسوب أو ملف “كلمات سر مهمة.txt” المخزن بلا حماية في سطح المكتب، وكأن القراصنة لا يفتشون هناك!
حتى وسائل الحماية البيومترية، التي بُنيت حول مفهوم التعرف على الوجه، لم تسلم من التحديات. فقد وجدت دراسة لجامعة ميشيغان عام 2023 أن أنظمة التعرف على الوجه تفشل في تمييز التوائم بنسبة 40%، بل يمكن خداع بعضها بصورة عالية الدقة مأخوذة من حساب إنستغرام، مما يفتح الباب أمام تساؤلات جديدة: هل وجهك حقًا فريد بما يكفي ليكون كلمة مرورك؟
الحقيقة أن المشكلة قد تكون أعمق من مجرد التكنولوجيا؛ إنها تتعلق بطبيعة الدماغ البشري نفسه.
بحسب الدراسة الشهيرة التي نشرها جورج ميلر عام 1956، فإن قدرة الذاكرة القصيرة عند الإنسان تتيح له حفظ سبعة عناصر ± 2 فقط، وعندما نحاول تخزين عشرات من كلمات المرور المعقدة مثل “Tr0ub4dor&3”، فمن الطبيعي أن ننسى أكثر مما نتذكّر.
ومع أن الحلول التقنية موجودة — مثل مديري كلمات المرور، وتفعيل المصادقة الثنائية، أو حتى استخدام “عبارات مرور” طويلة مثل “ذهبت إلى القاهرة_في_2011” — فإنها تتطلب التزامًا ومثابرة يفوقان طاقة المستخدم العادي.
معظم الناس يريدون حماية حساباتهم بنفس الطريقة التي يريدون بها جسدًا رشيقًا دون حمية أو تمارين.
وفي ظل هذا الواقع، تتكرر المأساة: إعادة تعيين كلمة المرور، انتظار رسالة التحقق، محاولة إدخال الرمز، ثم مواجهة عبارة “تم حظر حسابك مؤقتًا”. وهكذا ندور في حلقة لا تنتهي من النسيان، والتحقق، والتأمين، وربما قليل من الصراخ في وجه خدمة العملاء.
في نهاية المطاف، قد نصل إلى قناعة مرة لكنها واقعية: المشكلة ليست في كلمة المرور، بل فينا نحن.
نحن لا نريد الأمان، بل نريد الراحة. لا نبحث عن الحماية بقدر ما نبحث عن اختصار الطريق.
وربما لذلك، لا حل قريب يلوح في الأفق… إلا إذا عدنا لاستخدام كلمات سر شفوية على طريقة الأصدقاء:
– “إيش باسورد الإيميل؟”
– “أمك تحبك”
– “لا، هذا القديم… الجديد: أمك تكرهك!”

موضوعات ذات صلة