أغرب حكايات الغورية.. قبر السلطان بلا جثمان وهذه قصة الشربوش والمزملاتي

مجموعة الغوري الأثرية في القاهرة التاريخية
مجموعة الغوري الأثرية في القاهرة التاريخية

القاهرة – برس بوست (خاص)

“لمولانا السلطان الملك الأشرف أبو النصر قانصوه الغوري عز نصره”.. ضع الجملة السابقة في دائرة مقسمة لثلاثة أجزاء، ستجد نفسك أمام شعار سلطاني حفره أحد أشهر حكام مصر، على الآثار الفريدة التي شيدها في القاهرة التاريخية، والتي كان من بينها قبة ضريحية أنشأها ليدفن بها جثمانه.. فشاءت الأقدار أن تضم رُفات باقي أفراد أسرته إلا هو فقط.

.. كثيرون يعرفون الغورية كسوق شعبي، ولكن هل تتخيل أن المحل الذي تشتري منه الأقمشة في عام 2025 كان قبلها بمئات الأعوام محل أيضاً ولكن لبيع الملابس السلطانية وأزياء الأمراء والوزراء والقضاة.. قد يشعر البعض بذلك لما في هذا المكان العتيق من رائحة تاريخية تجذب الأفئدة إلى عصور مضت وكانت فيها مصر محط أنظار العالم.

تقع “الغورية” في تقاطع شارع المعز لدين الله الفاطمي مع شارع الأزهر، وتضم واحدة من أكبر وأهم المجموعات الأثرية في العالم الإسلامي، والتي تبهر كل من يراها بروعة زخارفها وجمال بنائها والتناغم المعماري الموجود بين عناصرها المختلفة وهي “المدرسة والمسجد والكتاب والسبيل والخانقاه والقبة الضريحية والوكالة”.

من هو الغوري.. وأين دفن؟

أنشأ هذه المجموعة الأثرية الفريدة الملك الأشرف أبو النصر قانصوه الغوري، وهو الملك السادس والأربعون من حكام المماليك في مصر، وكان يلقب بـ”سلطان العمارة”، لما بُني في عهده من روائع معمارية فريدة.

كان الغوري أحد مماليك الأشرف قايتباي قبل أن يعتقه الأخير، ليتدرج بعدها “الغوري” في المناصب داخل وخارج مصر حتى نودي به سلطاناً على البلاد في الأول من شوال سنة 906 هجرية، وكان الغوري مغرماً بالعمارة فازدهر البناء في عصره، وجدد خان الخليلي وأصلح قبة الإمام الشافعي ومسجد الإمام الليث وأنشأ منارة للجامع الأزهر، كما شيد مجموعته الأثرية سنة 909 هجرية.

ورغم أن “الغوري” قد بنى القبة الضريحية لتكون قبراً لجثمانه بعدما يموت، إلا أنه لم ينعم بالرقاد فيها، واستقبلت القبة جثامين زوجته خوند سكر، وابنه الناصر محمد، وابن أخيه طومان باي الذي خلف “الغوري” لفترة قصيرة جداً (حوالي عام) في حكم مصر.

أما “الغوري” نفسه، فبعدما قضى في حكم مصر زهاء خمس عشرة سنة وعشرة أشهر، أخلف فيها ظن أمراء المماليك في تحقيق مطامعهم على حساب سلطان ضعيف، وتمكن من تثبيت دعائم حكمه، جاءت نهايته عندما قتل في معركة مرج دابق التي خاضها ضد العثمانيين في شمال حلب سنة 1516 ميلادية.

الروايات التاريخية ذكرت أن “الغوري” حينما علم بنبأ هزيمة جيشه في قتاله ضد السلطان العثماني سليم الأول، أصيب بالشلل وتوفي في الحال فوق جواده، و في رواية أخرى أن مقتله جاء تحت سنابك الأحصنة.

وعلى أي من الروايتين فقد رجع الجند بجثة سلطانهم إلى مؤخرة الصفوف حتى لا يمثل به العدو، ولم يُعرف حتى الآن أين دفن، وبعد مقتل الغوري تولى ابن أخيه طومان باي راية المقاومة، حتى قبض عليه الجيش العثماني وشنقه على باب زويلة القريب من “الغورية”، وظلت جثته عليه عدة أيام قبل أن تؤخذ وتدفن بالحوش الجنائزي الملحق بالمجموعة.

مجموعة الغوري الأثرية.. طراز معماري فريد

مات “الغوري” ولا أحد يعلم حتى الآن مكان دفنه، ولكن ذكراه ما زالت تخلدها مجموعته الأثرية التي تنتمي للعصر المملوكي الجركسي، والتي تعد نموذجاً فريداً للمجموعات التي يخترقها شارع، وكأنها تحتضن المارين خلالها، حيث توجد المئذنة والمدرسة في جهة، والسبيل والكتاب والخانقاه (مكان مخصص لدراسة العلوم الدينية وإقامة الدارسين فيه) في الجهة المقابلة، ويرتبط الجزأين بسقيفة خشبية عملاقة صُممت لتغطية الفراغ بين شطري المجموعة.

وتكاد مجموعة الغوري تجمع معظم عناصر العمارة الإسلامية من مدرسة ومسجد وكتاب وسبيل وخانقاه ومنزل ووكالة، وهذه المجموعة تتميز بعناصرها المعمارية الفريدة فنرى فيها الواجهات ذو المداخل التذكارية والزخارف النباتية والكتابية والهندسية منفذة على الحجر أو الرخام والخشب والمعادن.

وعلى الرغم من انقسام المجموعة إلى شطرين يفصلهما شارع المعز إلا أننا عندما ننظر لها من بعد نرى القبة بجوار المئذنة وتظهر جميع عناصر المجموعة متكاملة، وقد أبدع المعماري في الوصول إلى حلول معمارية تسهل الانتقال عبر هذه المنشآت، كما أبدع في تنفيذ مناسيبها المعمارية وتوزيع عناصرها بطريقة تعطي شكلاً جمالياً فريداً.

مدرسة ومسجد الغوري.. وقصة الشربوش

يحتوى القسم الأول من المجموعة على المدرسة والمسجد، وتتكون المدرسة من درقاعة (الجزء المتوسط من القاعة أو الحجرة) يحيط بها أربعة إيوانات كانت مخصصة لتدريس المذاهب الأربعة، وأكبر هذه الإيوانات هو إيوان القبلة الذي كان يدرس فيه المذهب الرئيسي للدولة، كما يحيط بها أيضاً الطباق التي يقيم بها الدارسون، وكانت المدرسة قسمين الأول للفتيان والثاني للفتيات.

وفي المسجد الواقع داخل المدرسة ـ كما جرت العادة في هذا العصر ـ نجد تفرداً جميلاً في المعمار، حيث كُسيت الأرضيات بالرخام، والذي استخدم أيضا في تجميل الحوائط مع وجود زخارف نباتية وهندسية وكتابية رائعة عليها.

وتنفرد مدرسة السلطان الغوري بالقاهرة بمئذنتها ذات الخمسة رؤوس من طراز القلة المقلوبة، وهي تنتمي إلى طراز المباني المعلقة، حيث كان تحتها أسواق وحواصل كسوق الشرابشين، الذي كان يباع فيها الملابس السلطانية، واسم السوق مشتق من كلمة “شربوش” وهو عبارة غطاء للرأس كان يرتديه عليَة القوم بدلاً من العمامة، ومنه أُخذت كلمة “طربوش” فيما بعد، وكان يصرف من ريع محال السوق على المجموعة ومرتبات العاملين بها كإمام المسجد والخدم والقائمين على السبيل وغيرهم.

مسجد الغوري

قبة الغوري والسبيل والوكالة.. وقصة المزملاتي


وفي الجهة الأخرى من الشارع، توجد القبة الضريحيه والتي عانت من كثرة السقوط، حيث ظهر بها خلل عام 917 هـ، فأمر الغوري بهدمها وإعادة بنائها فظهر بها خلل آخر عام 919هـ، فأمر بهدمها وبنائها مرة أخرى، ثم هدمت مرة ثالثة بالرغم من استبدالها بقبة خشبية في عام 1881م فهدمت تماماً وحل محلها سقف خراساني مقام على عدة كمرات من الحديد.

وأما سبيل الغوري، فله ثلاثة شبابيك وأسفله صهريج كبير لتخزين المياه وكان يقوم على السبيل مجموعة من العمال أهمهم “المزملاتي” وهو من يقوم بتنظيف الكيزان والأدوات المستخدمة للشرب.

وفي الصهريج أو الخزان توجد فوهة كان يستخرج منها المياه وهي تصب في أحواض وتنقل في أحواض لمعالجة المياه وفصل الشوائب عنها، ثم تصل المياه إلى لوح رخامي يسمى “الشازروان” تنسدل عليه المياه وتصل إلى حوض تجميع آخر، وهذا اللوح الرخامي به زخارف بارزة نباتية وأشكال أسماك وتجزيعات تعطي شكلاً جمالياً وتحجز أيضاً الشوائب كمرحلة أخيرة قبل أن تتجمع المياه في الحوض الأخير الذي تخرج منه مواسير خاصة أسفل الشبابيك الثلاثة التي توضع عليها الكيزان لكي يشرب بها المارة.

ويعلو السبيل الكتاب الذي كان مخصصاً لتعليم أيتام المسلمين القرآن الكريم والعلوم الدينية، وهو عبارة عن مبنى بنفس مساحة السبيل ولكنه يفتح على كل جهة بعقد مزدوج متكئ على عمود من الرخام، ويغطيه سقف مزخرف بالألوان المختلفة.

وعلى بعد خطوات قليلة من القبة الضريحية تقع وكالة الغوري التي كانت تضم حجرات لتخزين بضائع التجار وفندقاً يقيمون فيه، وقد تم توظيف هذه الوكالة من قبل وزارة الثقافة المصرية لإقامة أنشطة فنية وتراثية يتوافد عليها رواد المنطقة من المصريين والسائحين.

وكالة الغوري

موضوعات ذات صلة