عمران السكران يكتب: مصير الصحافة الورقية في العصر الرقمي

الكاتب الصحفي الأردني عمران السكران
الكاتب الصحفي الأردني عمران السكران

في ظل الثورة التكنولوجية التي أعادت تشكيل خريطة الإعلام العالمي، تطفو تساؤلات مُلحّة حول مصير الصحافة الورقية التي طالما كانت رمزاً للثقافة والمعرفة، هل ستنجو من تحوّلات العصر الرقمي، أم أنها ستُغيّب تدريجياً لتحلّ محلّها شاشات الهواتف الذكية ومنصات الأخبار الفورية؟ الإجابة ليست بسيطة، لكن الوقوف على التحديات والتحوّلات قد يُضيء ملامح هذا المشهد المعقّد.

تحدي الإعلانات
لم تَعُد الصحف الورقية تجد ذلك الدعم المالي الذي اعتادت عليه من إعلانات الشركات والمؤسسات، فمع صعود المنصات الرقمية مثل “فيسبوك” و”جوجل”، تحوّلت ميزانيات الإعلانات بشكل جذري نحو العالم الافتراضي، حيث تتيح هذه المنصات استهدافاً دقيقاً للجمهور وقياساً فورياً للتفاعل.
وفقاً لتقرير “رويترز” لعام ٢٠٢٣، انخفضت إيرادات الإعلانات في الصحف الورقية بنسبة 60% خلال العقد الماضي، بينما تضاعفت الإنفاق على الإعلانات الرقمية، هذا النزيف المالي أجبر صحفاً شهيرة مثل “ذا جارديان” البريطانية على تقليص طبعاتها الورقية، والتركيز على نموذج الاشتراكات الرقمية، السؤال هنا: هل تستطيع الصحف الورقية إيجاد بدائل تمويلية قبل فوات الأوان؟

الجامعات وتدريس الإعلام
لم يعد منهج “التدقيق اللغوي اليدوي” أو “تنسيق الصفحات بالمِسطرة” جزءاً من خطط دراسة الإعلام في الكثير من الجامعات، بدلاً من ذلك، تُدرَّس مواد مثل “تحليل البيانات الصحفية” و”إدارة الحملات الرقمية”، ما يخلق جيلاً من الصحفيين يُتقنون أدوات الرقمنة لكنهم قد يفقدون الاتصال بجذور المهنة.
أحد الأساتذة في كلية الإعلام بجامعة القاهرة يروي: “طلاب اليوم يعرفون كيف يصنعون فيديو مُصمَّماً للإنستجرام، لكن قلّة منهم يُجيدون كتابة تقرير استقصائي مُحكَم”، هذا التحوّل يطرح إشكالية التوازن بين التطوّر التكنولوجي والحفاظ على الهوية الأساسية للصحافة.

مهارات جديدة
لم يعد “السبق الصحفي” يعتمد على من يصل أولاً إلى موقع الحدث، بل على من يُحسن استخدام الهاشتاغ الأسرع انتشاراً، الإعلاميون الجدد يُنمّون مهارات في تحرير الفيديو السريع، وتحسين محركات البحث (SEO)، وإدارة التعليقات السلبية، بينما تتراجع مهارات مثل البحث الميداني الطويل أو التحقيق في الوثائق الورقية، هذه الديناميكية تفرض واقعاً جديداً: صحفيو اليوم قد يكونون “متعددي المهام” رقمياً، لكنهم أحياناً يفتقرون إلى العمق الذي ميّز رواد الصحافة الورقية، فهل يعني هذا أن عصر “الصحفي الشامل” قد ولى؟

بداية عصر رقمي
رغم التحديات، فإن العصر الرقمي يفتح آفاقاً غير مسبوقة. فالصحافة اليوم لم تعد مُقتصرة على النخبة؛ أي شخص يمتلك هاتفاً ذكياً يمكنه أن يكون “مراسلاً مواطناً”، كما أن أدوات مثل الذكاء الاصطناعي تساعد في تحليل البيانات الضخمة، بينما تتيح المنصات التفاعلية للجمهور المشاركة في صياغة الرواية الإخبارية، لكن في المقابل، يُثير هذا التحوُّر مخاوف حول جودة المعلومة، فكم من “خبر” متداول هو مجرد إشاعة مُغلفة بتقنية عالية؟
الصحافة الورقية قد لا تختفي تماماً، لكنها ستتحوّل إلى فضاءٍ نخبوي يُلبي احتياجات فئات تبحث عن التحليل العميق والهروب من ضجيج الأخبار السريعة. في المقابل، سيستمر الإعلام الرقمي في الهيمنة، حاملاً معه إمكانات هائلة وأسئلةً أخلاقية لم تُحسم بعد، ربما يكمن الحل في تكامل العالمين: أن تستفيد الصحافة الورقية من أدوات الرقمنة لتطوير نفسها، بينما تتبنى المنصات الرقمية قيماً صحفيةً أصيلة لضمان الاستمرارية… والمصداقية.

موضوعات ذات صلة