قصر الأمير طاز.. حكايات المماليك تسكن السلاملك والحرملك والطبلخانة

قصر الأمير طاز من الداخل
قصر الأمير طاز من الداخل

القاهرة – برس بوست (خاص)

لم يتمكن أحد العلماء من اختراع آلة تعود بالزمن إلى الوراء حتى الآن، ومن ثم ليس أمامك سوى زيارة المعالم الأثرية والقراءة فى التاريخ إذا كنت من عاشقي الماضي، وليس أدعى للتشوق من الارتحال إلى زمن المماليك وحياتهم المثيرة المليئة بالصراعات والمؤامرات، والذين رغم معاركهم تركوا أيضاً إرثاً معمارياً ضخماً في القاهرة التاريخية، ومن أهم معالم ذلك الإرث قصر الأمير طاز، الذى تسكن فيه رائحة المماليك ويجسد حياتهم بمختلف جوانبها.

يقع القصر في شارع السيوفية المتفرع من شارع الصليبة بالقرب من ميدان الرميلة أو القلعة، وتبلغ مساحته نحو فدانين، وشيده الأمير سيف الدين عبد الله طاز بن قطغاج، احتفالاً بزواجه من “خوند زهرة”، ابنة السلطان الناصر محمد بن قلاوون، وصممه الأمير منجك اليوسفي، أمهر المعماريين بالعصر المملوكي، واستغرقت عملية البناء نحو ثلاث سنوات وافتتحه السلطان بنفسه عام 753 هجرية 1352 ميلادية، تقديراً لمكانة صاحبه، ففضلاً عن كونه صهر السلطان، فقد كان الأمير طاز يتولى وظيفة “شراب دار” (ساقي) السلطان، وتزامن مع الافتتاح إقامة ولائم عظيمة استمرت لعدة أيام.

وتعكس حياة الأمير طاز الطموحات والمنافسات والمغامرات التي صنعت مجمل تاريخ المماليك، ويدل على ذلك الحادثة التي ترويها المصادر التاريخية ووقعت أحداثها في قصر الأمير طاز نفسه، ففي سنة 1489 ميلادية دارت بالقصر معركة حربية هائلة بين المماليك السلطانية ومماليك الأمير جارقطلو الذي كان يقطن القصر آنذاك.. ولم يكن لها سبباً سوى عراك عادي بين مملوكين صغيرين أحدهما للسلطان والأخر لساكن القصر، وتأهب على ذلك عدد كبير من الجنود والقادة وتحول الشجار إلى موقعة حربية أشعلت الرعب والخوف والهلع في نفوس سكان القاهرة فأغلقت متاجرها وكمن الناس في بيوتهم ولم يخرجوا منها إلا بعد أن انتهت المعركة بفشل المماليك السلطانية في اقتحام القصر.

يتميز قصر الأمير طاز بأنه يجمع فى طياته جميع عناصر العمارة الإسلامية وخاصة تلك التى سادت في العصر المملوكي البحري، حيث أنشأ به السلاملك والحرملك والإسطبلات وأحواض الدواب والمخازن الأرضية والساقية والحمامات الإسلامية، ويوجد على جدرانه زخارف شعار الإمارة وهو عبارة عن كأس يرمز إلى وظيفة الأمير طاز كساقٍ للسلطان.

وظهر في قصر الأمير طاز ولأول مرة بركة المياه المستطيلة وهي شبيهة بتلك الموجودة في قصر الحمراء بمدينة غرناطة الإسبانية وتاج محل بالهند، وهذه البركة المستطيلة هي تطور لشكل النافورة المستديرة بتخطيط مستطيل، وكانت تملأ بالمياه ومكشوفة إلى السماء، ويحيط بها حدائق كانت غناء بأشجار الكروم كما تذكر وثيقة تاريخ القصر.

وللقصر مدخلان، الأول رئيسي يؤدي إلى الصحن ويطل على شارع السيوفية الذي كان يشتهر ببيع السيوف بحكم قربه من القلعة التي كانت مقراً للحكم آنذاك، والخلفي وهو مدخل فرعي يطل على حارة الشيخ خليل، ويسمى باب سر القصر، وكان مخصصاً للنساء ليكونوا بمحجبة عن الخدم ورجال الحراسة عند دخولهم وخروجهم من القصر، أو ليكون مهرباً للأمير في حالة الهجوم على القصر.

وبجانب بوابة المدخل الرئيسى يوجد مكان يسمى “الطبلخانة”، وهو مساحة كانت مخصصة للموسيقيين، الذين كانوا ينفخون في الأبواق والنفور عند دخول الأمير وخروجه من القصر تعظيماً لمكانته، وكذلك في الأعياد والمناسبات، أو في حالة حدوث حرب.

وفي الناحية القبلية من القصر كان يوجد إسطبل الخيول والقاعة الملحقة به ومخازن أرضية للغلال والحبوب، أما الناحية البحرية فيوجد بها المبنى السكني ويحتوى على “الحرملك” وهو السكن الخاص بالنساء، ويوجد به أيضاَ حمامات تتكون من ثلاث حجرات “باردة، ودافئة، ومغطس”.

أما “السلاملك” فهو السكن الخاص بالرجال، ويوجد به المقعد العلوي الخاص بالأمير، وكان يجلس فيه مع الضيوف المهمين، وتقام به أيضاً الحفلات الموسيقية التي كانت النساء تستمع إليها أيضاً من خلال مكان مندثر حاليا كان يطلق عليه قاعة المغاني.

في القرن السابع عشر الميلادى سكن القصر على أغا دار السعادة، والذي أضاف إليه واجهة بحرية وحمامات إسلامية للرجال، ودور سكني للطائفة الصوفية، كما أقام سبيلاً وكتاباً لتحفيظ القرآن لا زالا يحملان اسمه حتى اليوم، وفي عصر محمد علي استخدم القصر كمدرسة حربية ومخزن سلاح، فأثر ذلك بالطبع على عمارته كثيراً.

وفي الربع الأخير من القرن التاسع عشر قررت الحكومة المصرية تحويل القصر إلى مدرسة، وبعد ذلك حولته وزارة التربية والتعليم إلى مخزن، وعندما ضرب مصر الزلزال المروع فى أكتوبر 1992 لم يحتمل القصر كل هذا، فبدأت جدرانه تتهاوى تدريجياً حتى انهار جانب كبير من الجدار الخلفي في أوائل عام 2002، لتتنبه الجهات المسئولة إلى حالة القصر وما وصل إليه من إهمال.

وزارة الثقافة المصرية رممت القصر بتكلفة تعدت ثمانية عشر مليون جنيهاً آنذاك، وخلال عمليات الترميم عثر على بركة المياه المستطيلة، كما تم الكشف عن نافورة بالمقعد الأرضي بالسلاملك وساقية تعلو بئر ماء كانت مخصصة لسقاية الدواب وري الحديقة، ومجموعة من المجارير الفخارية تماثل تقريباً أنابيب الصرف في العصر الحديث، كما تم إنشاء مركز إبداع في القصر تقام فيه أنشطة مختلفة.

ونظراً لأن قصر الأمير طاز كان شاهداً على الكثير من الأحداث التي جرت في عهد المماليك، فقد أقيم به معرضاً دائماً بعنوان “روائع المماليك” يقدم نظرة سريعة على عالمهم المليء بالفتن والصراعات، ويوجد به مقتنيات من ناتج الحفائر التي جرت أثناء عمليات الترميم، من بينها أواني فخارية وعملات ومعادن وأحجار وأخشاب ومخطوطات أثرية.

انتهت رحلتنا في قصر الأمير طاز، لكن لم تنتهي حلاتنا في الأزمنة العتيقة، وسيواصل موقع “برس بوست” الحديث لاحقاً عن العديد من المعالم الأثرية التي تقف شاهدة على تاريخ مصر العظيم.

موضوعات ذات صلة