بقلم: شريف عبدالمنعم *
بينما لا تزال المواقع الإلكترونية تحاول اللحاق بوسائل التواصل الاجتماعي التي استحوذت على جانب كبير من الجمهور، وفي ذات الوقت تحاول تلبية متطلبات محرك البحث الأشهر “جوجل” حتى لا تفقد الشريحة الكبرى من الزيارات الطبيعية التي ترد إليها من خلاله، وجدت تلك المواقع نفسها أمام مصارع جديد شديد القوة، ألا وهو تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي استحوذت هي الأخرى على جانب كبير من الزائرين سواء عن طريق تقديم الإجابات لهم عبر ما تدربت عليه النماذج اللغوية من المحتوى المنشور على الإنترنت، أو حتى ملخصات إخبارية لمختلف المواد التي تنشرها المواقع.
.. تزامناً مع ذلك التطور المتسارع، ظهر على ساحة تطوير الإعلام الرقمي مصطلح جديد هو (GEO)، والذي قد يتوقع البعض أنه سيقضى على بحث “جوجل” التقليدي الذي يعتمد على معايير (SEO)، وفيما يلي سنحاول تعريف مصطلح (GEO)، والفرق بينه وبين (SEO)، وكيفية كتابة مادة صحفية بشكل يتوافق مع معايير (GEO)، وهل ذلك التوافق مطلوب في الوقت الحالي أم لا؟ ومستقبل الصحافة الرقمية وبحث “جوجل”، كما سنجيب على سؤال: من سينتصر في هذا الصراع؟
ما هو GEO؟
بدأ مصطلح (GEO) في الظهور نهاية عام 2023 مع الانتشار الرهيب لتطبيقات الذكاء الاصطناعي وخاصة “شات جي بي تي chatgpt”، وهذا المصطلح هو اختصار لكلمة generative engine optimization ومعناه تحسين محركات البحث التوليدية القائمة على الذكاء الاصطناعي، وهدفه هو تهيئة المواقع الإلكترونية للتوافق مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، واعتمادها كمصدر إجابات على أسئلة المستخدمين.
ويختلف المصطلح السابق مع المصطلح الشهير المعروف في المواقع الإلكترونية باسم (SEO) الخاص بتحسين محركات البحث التقليدية search engine optimization، وهدفه هو تهيئة المواقع للظهور في صدارة نتائج البحث العادي في جوجل (الويب، الصور، الأخبار، ديسكفر.. إلخ)، وفيما يلي أوجه الاختلاف بينهما.
ما الفرق بين GEO وSEO ؟
- يعتبر تحسين محركات البحث التوليدية (GEO) من أحدث التطورات في مجال المواقع الإلكترونية، وهذا التحسين يعمل على تهيئة المواقع الإلكترونية للتوافق مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، حتى تضمن ظهورها في الإجابات التي تقدمها تلك التطبيقات للمستخدمين.
- قواعد تحسين محركات البحث التقليدية (SEO) هي ممارسات قائمة منذ سنوات عديدة، وتعتمد عليها المواقع الإلكترونية في التوافق مع بحث “جوجل” التقليدي.
- جزء كبير من معايير (SEO) هو نفسه أساس معايير (GEO)، وخاصة بالنسبة لتقسيم المواضيع من الداخل والكلمات المفتاحية الموزعة بشكل غير مفتعل على العناوين الرئيسية والفرعية للموضوعات، والأوصاف والفقرات.
ما هي آليات التوافق مع معايير GEO ؟
تعتمد آليات الكتابة بشكل متوافق مع معايير (GEO) على عدد من العناصر التي يمكن رصدها من خلال الإجابات التي تقدمها أدوات الذكاء الاصطناعي نفسها، والتي يمكن تلخيصها فيما يلي:
- صياغة بعض العناوين الداخلية في الموضوعات في شكل أسئلة كما يكتبها الجمهور لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، تماماً مثل العناوين المكتوب بهذا التقرير !
- تقديم إجابات بشكل مباشر في حالة وجود عناوين مصاغة بشكل تساؤل.
- صياغة عناوين فرعية واضحة ومباشرة وأسفلها علامات ترقيم أو تنقيط، حسب الحاجة.
- تدعيم الموضوعات بإحصاءات ودراسات موثقة، حتى تحصل على ثقة بوت الذكاء الاصطناعي وتسهل عليه الزحف إلى موقعك.
- وجود عناصر الجودة التي تعتمدها أحدث “خوارزميات جوجل” في فهرسة المحتوى والتي يطلق عليها اختصاراً (E-E-A-T)، وهو مصطلح يشير إلى التجربة الحية والخبرة والموثوقية والمصداقية.
- بالطبع لا يمكن إغفال الجانب التقني، حيث يجب أن يسمح كل موقع تقنياً لبوتات شركات الذكاء الاصطناعي (كلها أو بعض منها) بالزحف إلى محتواه، وعدم وضع أوامر حظر لها داخل ملف robots.txt أو عبر خاصية (block ai bots) في منصة Cloudflare.
هل مطلوب التوافق الفوري مع معايير GEO؟
الرصد السابق لآليات التوافق مع معايير GEO ليس دعوة إلى تبنيها بشكل فوري في المواقع الإلكترونية، والسبب في ذلك أن هناك صراع حالياً بين الناشرين وشركات الذكاء الاصطناعي، وخصوصا في الولايات المتحدة وأوروبا، حيث حظرت الكثير من المواقع الإخبارية الكبرى مثل “شبكة CNN الإخبارية” وصحيفة “نيويورك تايمز” وصحيفة “الجارديان”، بوتات الذكاء الاصطناعي من الزحف إلى المحتوى، بسبب عدم وجود اتفاقات مع تلك الشركات.
وبالتالي، إذا كنت تهيئ موقعك تحريرياً وتقنياً للتوافق مع متطلبات تطبيقات الذكاء الاصطناعي ومعايير (GEO)، فهذا قرار استراتيجي له إيجابيات وسلبيات؛ فالتوافق مع الذكاء الاصطناعي يعني السماح لتطبيقاته بتدريب نماذجها على محتوى موقعك، وتقديمه كإجابات وملخصات مجانية للمستخدمين، دون فائدة لك سوى زيارات محدودة في الوقت الحالي.. فهل أنت موافق؟
وإذا اتخذت قرارك بالتوافق مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي ومعايير (GEO)، يجب الحرص على الموازنة بين الآليات التسويقية لتصدر نتائج التطبيقات الذكية، وبين هيئتك وهويتك كموقع صحفي يلتزم بالمعايير الرصينة ويقدم لزائريه محتوى مفيد وموثوق، واحرص كذلك على ألا تكون مواد موقعك مجرد عبارات مكررة تستجدي بها الظهور في تلك التطبيقات.
وللعلم.. فإن تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الأساس تستهدف جلب الإجابات من المواقع التي تقدم محتوى عالي الجودة وليس محتوى معاد تدويره أو مكتوب بطريقة تسويقية لتصدر نتائج البحث، ويمكنك أن تسأل تلك التطبيقات نفسها عن طبيعة المحتوى الذي تفضل الزحف إليه وفهرسته وتقديمه كأفضل إجابة للمستخدمين.
من سينتصر في صراع الـ GEO وSEO ؟
لفت نظري بعض المنشورات في شبكة “لينكدإن” تزعم أن هزيمة الـ(SEO) بضربة قاضية من الـ (GEO)، باتت قريبة جداً، مستشهدين في ذلك بانهيار الزيارات الواردة من “جوجل” إلى الكثير من المواقع الإلكترونية، لكنني لا أتوقع حدوث ذلك خلال المستقبل القريب، ولدي عدة أسباب، أهمها:
- انهيار الزيارات المفاجئ في بعض المواقع الإلكترونية وخاصة الإخبارية، خلال الشهر الماضي، كان سببه أول تحديث أساسي لجوجل هذا العام (google core update)، قبل نحو 3 أسابيع، ومن المعروف أن تحديثات جوجل الأساسية تؤدي إلى انخفاضات مفاجأة في الكثير من المواقع.
- من غير المعقول أن مؤشرات الانهيارات المتداولة لبعض المواقع الإخبارية، تحدث خلال أقل من أسبوع بسبب لجوء الجمهور لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، فالطبيعي في حالة وجود مستجدات رقمية أن يكون الانخفاض تدريجياً وليس انهياراً مفاجئاً.
- القيمة السوقية لشركة جوجل والتي تتخطى 2 تريليون دولار أميركي والقيمة السوقية لمواقع الإنترنت حول العالم والتي تتخطى هذا الرقم بالتأكيد، لن يقف أصحابها مكتوفي الأيدي أمام التطور المتسارع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي التي لا تملكها الشركة.
- الأهم من كل ما سبق، أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي تقوم في الأساس على انتقاء الإجابات من نتائج الويب والمواقع الموثوقة في المقام الأول، وحتى إذا دخلت تلك التطبيقات عالم الأخبار الذي تسيطر عليه شركة جوجل والمواقع الإلكترونية ومنصاتها الاجتماعية، من أين ستأتي بالمعلومات الصحيحة والدقيقة عن مستجدات الأحداث؟
- تحميل تطبيقات الذكاء الاصطناعي نفسها لا يزال يتم عبر متجر تطبيقات “جوجل” لأجهزة أندرويد، وحتى المواقع الإلكترونية لتلك التطبيقات ليست في عالم منفصل عن مواقع الويب التي لا تزال تلتزم بكل تعليمات التوافق مع بحث جوجل.
الأسباب السابقة كفيلة بأن تبرهن على أن مباراة الصراع بين (SEO) و (GEO) لم تصل إلى الشوط الثاني بعد، ولا زال هناك فرصة أمام “جوجل” لترتيب الأوراق حتى تدخل الصراع بأدوات قوة تجعلها تحافظ على صدارتها في السيطرة على عالم الويب، ومن تلك الأدوات التحديثات التي أضرت بالمواقع التي تنسخ المحتويات بشكل سطحي سواء من “شات جي بي تي” أو غيره، وأيضاً تطويرها المستمر لتطبيق “جيمني” القائم على الذكاء الاصطناعي.
مستقبل الصحافة الرقمية في عصر GEO
ما يهمني في الصراع بين الـ(SEO) والـ (GEO)، كصحفي متخصص في تطوير الإعلام الرقمي، هو مستقبل الصحافة الرقمية، وهل المطلوب أن نتوافق بشكل لحظي مع قواعد GEO؟
في الحقيقة أن نسبة كبيرة من المواقع الإخبارية لا تزال تتعامل مع قواعد الـ(SEO) الخاصة بمحركات البحث التقليدية، بطرق وممارسات خاطئة تجعلها عرضة للعقوبات في التحديثات الدورية التي لا ترحم.
في رأيي الشخصي أن الأزمة أوسع بكثير من محاولات التوافق سواء مع قواعد (SEO) أو قواعد (GEO)، فحتى الآن الدراسات في مجال الصحافة الإلكترونية وصحافة المستقبل لا يتم تطبيقها على أرض الواقع، ولذلك كان من أهم أهداف إطلاقي موقع “برس بوست Press Post” المتخصص في الإعلام الرقمي، هو أن يكون مرجعاً للممارسات الصحيحة تقنياً وتحريرياً.
تلك الممارسات يجب أن تكون واضحة وتتبناها المؤسسات التعليمية والجهات الإعلامية الكبرى، بحيث تكون القواعد واضحة لكل من يرغب في إطلاق موقع إلكتروني، وأولها عدم نسخ المحتوى وألا تكون أقسام الأخبار كما نراه في الكثير من المواقع الإخبارية العربية نسخة متطابقة منقولة من وكالات الأنباء، ولا أقصد هنا المنع التام للنقل من الوكالات الإخبارية أو المواقع الكبرى، ولكن لا بد أن يكون النقل مضاف إليه معلومات مختلفة عن النص الأصلي، مع ضرورة نسبة ما سيتم نقله إلى مصدر موثوق، وإضافات السياقات اللازمة وتدعيم المواد بالإنتاج الحصري من صور وفيديوهات كلما أمكن.
والأزمة الحقيقية أنه حتى لو التزمت المواقع التي تقوم بممارسات خاطئة، وصارت تتعامل بمهنية في المواضيع الجديدة، فإن المشكلة الأكبر تكمن في الأرشيف المتخم بالمواضيع السطحية أو المنسوخة حرفياً من مواقع أخرى منافسة ومن تطبيقات الذكاء الاصطناعي، دون أن تقدم قيمة جديدة تختلف عن الآخرين.
والحل كما قلنا، وهو تعميم المعايير الصحيحة للصحافة الرصينة والالتزام بالدقة والمصداقية والرصانة، وهنا لن تكون هناك مشكلة في توافق المواقع الإخبارية مع الـ (SEO) ولا (GEO) ولا أي مصطلح على نفس القافية !.

* عن الكاتب:
- شريف عبدالمنعم، صحفي ومدرب متخصص في الإعلام الرقمي، وعضو نقابة الصحفيين المصريين.
- أسس موقع “برس بوست” المهتم بدراسات الصحافة والإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي عام 2025، ويقدم استشارات في تطوير الإعلام الرقمي (مواقع إخبارية وقنوات يوتيوب) للعديد من المؤسسات الكبرى.
- عمل في العديد من الصحف والمواقع الإخبارية المصرية المرموقة مثل “المصري اليوم” و”الوفد”، كما عمل في عدد من الصحف الخليجية مثل “المدينة، الإمارات اليوم، والخليج”، وفي قنوات “دريم، إم بي سي، والتحرير”، وكان من المساهمين في تأسيس بوابة العين الإخبارية.
- قدم دورات تدريبية في (نقابة الصحفيين المصريين، الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، الهيئة العامة للاستعلامات، مركز أخبار اليوم للتدريب والاستشارات، والمركز المصري للتطوير الإعلامي، والعديد من المؤسسات الأخرى”، وله إسهامات بحثية متنوعة في مجال تطوير الإعلام الرقمي.
