حذر أكاديميون وخبراء من خطورة المعلومات الصحية الخاطئة على السوشيال ميديا، وذلك خلال حلقة نقاشية انعقدت ضمن فعاليات اليوم الأول للمؤتمر العلمي الدولي الثلاثون لكلية الإعلام جامعة القاهرة، الذي ينعقد تحت عنوان “الاتصال الصحي وتمكين المجتمعات المعاصرة”، ويناقش عددا من القضايا المرتبطة بالصحة والطب ودور وسائل الإعلام في التوعية في هذا المجال.
وأكدت الدكتورة هويدا مصطفى، الأستاذ بكلية الإعلام جامعة القاهرة، ورئيس الحلقة النقاشية، أهمية مناقشة قضايا الاتصال الصحي وتمكين المجتمعات المعاصرة، لافتة إلى أنه في الوقت الحالي بات هناك اهتمام إعلامي بالقضايا الصحية، نظرا لكون الصحة هي أثمن ما يملكه الإنسان، ومن هنا تنبع حساسية وأهمية موضوع المؤتمر، فضلا عن ربطه بالمجتمعات المعاصرة، وهو ما يعكس كيفية تأثير وسائل وأساليب الاتصال على سلوك وصحة الأفراد داخل المجتمعات الحديثة، ومدى استخدامها لنشر الوعي وتصحيح المفاهيم الخاطئة، الأمر الذي يُبرز مدى تطور المجتمع واهتمام المؤسسات المعنية بقضاياه الصحية.
ووجهت الأستاذة الدكتورة عزة عثمان، أستاذ الصحافة والإعلام الإلكتروني بجامعة سوهاج، والعميد الأسبق لكلية الإعلام جامعة فاروس، الشكر للقائمين على المؤتمر، لاختيار هذا الموضوع المتميز، لأنه يمس قضية هامة في المجتمع، وقدمت إحصائيات حديثة عن عدد المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، مؤكدة وصول عدد المؤثرين في مصر إلى ٥٠ ألف مؤثر، ويتراوح عدد المؤثرين منهم في مجال الصحة ما بين ٤ إلى ٥ آلاف مؤثر، مشيرة إلى قضية خطيرة وهي لجوء الجمهور للمحتوى الصحي الافتراضي، و الابتعاد عن التوجه مباشرة للأطباء المتخصصين في الواقع، فأصبحوا يلجأون لجوجل والمؤثرين في مجال الصحة.
وأكدت على أهمية المحتوى الصحي ورواجه، بتوضيح أن ٦٢٪ من الجمهور يتابعون الصفحات الخاصة بالصحة، وخاصة على منصة يوتيوب، وبينت أن أهم أنواع المحتوى الصحي: الصحة النفسية، والتغذية واللياقة، والطب الوقائي، محذرة من خطورة المحتوى الترويجي الذي يوجد به ترويج لمنتجات مغشوشة.
وأشارت إلى أن ٤٠ ٪ من المحتوى الصحي عبر إنستجرام وتيك توك يحتوي على معلومات غير صحيحة، وذلك وفقا لدراسة في مجلة” نيتشر “عام ٢٠٢٣، كما أشارت إلى التحديات التي تواجه المحتوى الصحي، وتتمثل في غياب الرقابة، وفكرة الربح على حساب المصداقية، فالبعض يروج لمنتجات غير موثوق بها.
وعلى الجانب الآخر، أكدت الدكتورة عزة عثمان أن هناك مبادرات حكومية جيدة، كصحتك ثروتك، صحتك سعادة، ١٠٠ مليون صحة، للكشف المبكر عن الأمراض، ولكن مشكلتها عدم الترويج الجيد لها على منصات التواصل الاجتماعي، كما أشارت إلى جهات خاصة تقدم نموذجا جيدا في المحتوى الصحي، كمنصة فيزيتا، وموقع الطبي، وعلى الجانب الآخر قدمت أمثلة لمؤثرين تسببوا في الإضرار بصحة الجمهور، مما أدى إلى محاسبتهم وغلق صفحاتهم.
وقال الدكتور أشرف جلال، عميد كلية الإعلام وتكنولوجيا الاتصال بجامعة السويس، إنه لكي نتناول موضوع “بناء وتزييف الوعي” فلابد من إلقاء الضوء على الإشكالية الرئيسية والمتعلقة بكيفية تعامل وسائل التواصل الاجتماعي مع الوعي الصحي، إضافة إلى الإشارة إلى المحددات والمعايير التي تحدد ما إن كانت وسائل التواصل الاجتماعي تقوم بتحقيق الوعي أم التزييف، فليس هناك أي تعريف إجرائي لكلمة “منتج صحي”، فلا يزال مفهوم فضفاض، والخطورة تكمن في استغلال مؤثرو مواقع التواصل الاجتماعي لمدى شعبيتهم لصالح الترويج للمنتج الصحي.
وأكد “جلال” على ضرورة وجود فرض تشريعي في مصر لمواجهة تلك الإشكاليات مع الاستعانة بالتجارب الفعالة للدول الأوروبية والتي باتت تعتبر ممارسة الإعلام عبر مواقع التواصل الاجتماعي بدون ترخيص جريمة يعاقب عليها القانون، خاصة في ظل ميل المؤثرين إلى الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى الصحي دون الرجوع إلى المصادر الرئيسية، مما يورط الجمهور في مشكلات صحية ومن ثم نفسية.
وحذر الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية وصانع محتوى بمواقع التواصل الاجتماعي، من خطورة اتجاه بعض مؤثري مواقع التواصل الاجتماعي إلى الاعتماد على طريقة “العلاج بالوهم”، والسعي إلى التجارة بالوعي الصحي والنفسي للإنسان.
وفي نفس السياق، أكد الدكتور مينا جورج، استشاري الطب النفسي وصانع محتوى بمواقع التواصل الاجتماعي، على تعاظم دور السوشيال ميديا، و انتشار الوعي النفسي، مؤكدا حدوث نقلة كبيرة في مصر والعالم ، ولكنه أكد أن عملية نشر الوعي في أوروبا مقيدة جدا، عكس المتوقع، لكن في مصر، هناك انتشار لعملية الوعي النفسي والتوعية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فبعد ما كان الناس يخافوا من وصمة المرض النفسي، أصبح هناك وعي، وأصبح الناس يذهبون للعيادات ويعبرون عما يمرون به، ولكن من التأثيرات السلبية لذلك، أن الجمهور أصبح يحصل على معلوماته من “السوشيال ميديا”، وأصبح المعظم يتكلم بطريقة مغلوطة ” أن كل الناس مرضى أو نرجسيين” ، فأصبح الجميع يشعرون أنهم ضحايا لمرضى نفسيين، كما أكد “جورج” على خطورة المؤثرين في مجال الوعي الصحي قائلا: “أي طبيب ممكن نشتكيه لو قال معلومات غلط لنقابة الأطباء، لكن لو مؤثر نفسي مفيش حاجة محددة تقدر تحاسبهم وفقا لها”.
وأوجزت الدكتورة سماح المحمدي، الأستاذ بكلية الإعلام جامعة القاهرة، ومعقب الحلقة النقاشية، ما تناوله المتحدثون، موضحة أنه كان يدور حول صناعة المحتوى الصحي بين بناء الوعي أو تزييفه، لافتة إلى أن التوصيات المتعلقة بالحلقة النقاشية تضمنت التأكيد على ضرورة الالتزام بالتخصص والعلم قبل العمل، وهو الأساس الذي لابد أن يعمل مؤثرو مواقع التواصل الاجتماعي في إطاره، مع ضرورة اهتمام المؤسسات المعنية بمحاربة الخطر النفسي لشبكات التواصل الاجتماعي على مستوى كافة المجالات عامة، وعلى المستوى الصحي خاصة، كما لابد أن يتحمل المواطن جزء من المسؤولية فيما يخص اختياره للمحتوى الذي يتعرض إليه.
الجدير بالذكر أن المؤتمر الدولي الـ 30 لكلية الإعلام جامعة القاهرة يُقام يومي 7 و 8 مايو 2025، بمقر الكلية، بعنوان “الاتصال الصحي وتمكين المجتمعات المعاصرة”، وذلك برعاية الدكتور محمد سامي عبدالصادق، رئيس الجامعة، وبإشراف الدكتورة ثريا البدوي، عميد الكلية ورئيس المؤتمر، والدكتورة وسام نصر، وكيل الكلية لشؤون الدراسات العليا والبحوث وأمين عام المؤتمر، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والخبراء والممارسين للمجال الإعلامي.

