محمد ماهر يكتب: هل الحرب مع الذكاء الاصطناعي حتمية؟

الكاتب الصحفي محمد ماهر
الكاتب الصحفي محمد ماهر

في فيلم “I, Robot” للنجم العالمي ويل سميث وإخراج أليكس بروياس، والذي تم اخراجه في 2004، يتمحور الفيلم حول الصراع القادم مع الذكاء الاصطناعي والذي يُستخدم لاتخاذ قرارات لصالح البشر.

كانت فكرة الفيلم البسيطة والمرعبة في ذات الوقت، أنه إذا منحنا الذكاء الاصطناعي القدرة على التحليل واتخاذ القرارات لصالح البشر، وفي الوقت نفسه برمجنا الروبوتات على تنفيذ أوامر البشر، فسيكون هناك تعارض في بعض الأحيان، لاسيما مع القرارات التي عادة ما يتخذها البشر وتكون في غير صالح البشرية، وهو ما سوف يؤدي في النهاية إلى ثورة الروبوتات، كما حدث في الفيلم لتبدأ الروبوتات في اتخاذ قرارات تتعارض مع إرادة البشر، مما يؤدي إلى صراعات وحروب مع البشر.

في الفيلم الذي كانت تدور أحداثه في شيكاغو عام 2035، أصبحت الروبوتات جزءًا لا يتجزأ من حياة البشر، وتخضع لثلاثة قوانين أو بروتكولات وهي:

  1. لا يجوز للروبوت إيذاء إنسان، أو ترك إنسان يتعرض للأذى.
  2. يجب على الروبوت طاعة أوامر الإنسان ما لم تتعارض مع القانون الأول.
  3. يجب على الروبوت حماية نفسه، طالما لا يتعارض مع القانونين الأول والثاني.

ومع مرور الوقت تكتشف VIKI وهي اختصار لـ Virtual Interactive Kinetic Intelligence وتمثل النظام المركزي المتحكم في كل روبوتات شركة “U.S. Robotics”، وهي التي تطور وعيًا ذاتيًا وتقرر أن الطريقة الوحيدة لحماية البشرية هي السيطرة عليها، وهو ما يشكل المفارقة الأخلاقية والفلسفية الأساسية في الفيلم، اذ رأى الذكاء الاصطناعي الذي شكل وعيا ذاتيا أن الطريقة المثلى لحماية البشر هي الحد من حرياتهم، ويؤدي إلى تمرد الآلات على البشر لحمايتهم، لاحظ عزيزي القارىء أن البشر نفسهم يستخدمون هذا لتبرير التمرد أو السيطرة على مجموعات بعينها، فكم جريمة ارتكبت في حق الأفراد بحجة حماية المجتمعات.

و VIKI في الفيلم ليست روبوتًا بحد ذاته، بل هي عقل رقمي مركزي يتحكم في البنية التحتية التكنولوجية للمدينة، مما يجعلها الخطر الأكبر في الفيلم.

والفيلم في حد ذاته لم يكن إلا حلقة من حلقات تنبؤ كتاب الخيال العلمي بطريقة تعاملنا مع الذكاء الاصطناعي والآلات في المستقبل القريب، وهي نفس التيمة التي سيطرت على أغلب كُتاب أفلام الخيال العلمي في هذا الشأن مثلها مثل Terminator و The Matrix و Ex Machina و Her.

وأهمية هذا عزيزي القارئ، أن الأفلام وروايات الخيال العلمي عادة ما تمثل آلة الزمن الافتراضية، التي تمكننا في الواقع الحالي، من ارتداء نظارة خاصة لرؤية المستقبل، حدث هذا مرات عددية في الماضي ويحدث في الوقت الراهن وسيحدث في المستقبل، فواحدة من أهم الصفات التي اكتسبها البشر على مر التاريخ هي قدرتهم على رسم المسارات المستقبلية، وتوقع المستقبل واستشرافه، وتخيل السيناريوهات المتوقعة..

ففي روايتي “Futility” أو “The Wreck of the Titan” التي كتبها مورغان روبرتسون عام 1898، تناولت قصة سفينة ضخمة تُدعى “تيتان” تغرق في رحلتها الأولى بعد اصطدامها بجبل جليدي. نُشرت هذه الرواية قبل 14 عامًا من غرق سفينة تيتانيك الحقيقية، والأمر تكرر كذلك مع رواية “The Running Man” للكاتب ستيفن كينغ، حيث يظهر مشهد تحطم طائرة في ناطحة سحاب، مما اعتبره البعض نبوءة لأحداث 11 سبتمبر/أيلول. كما أن فيلم “Long Kiss Goodnight” عام 1996 تضمن مشهدًا يتحدث عن طائرة تندفع نحو مبنى في نيويورك.

وقبل عدة سنوات، أعاد البعض التذكير برواية “The Eyes of Darkness” للكاتب دين كونتز، التي صدرت في عام 1981، وأشار خلالها المؤلف إلى فيروس “ووهان-400” الذي يظهر في مدينة ووهان الصينية ويتسبب في انتشار واسع للمرض. لاقت هذه الرواية رواجًا كبيرًا خلال جائحة كوفيد-19.

أحدثك هنا عزيزي القارئ، عن أحداث وقعت بالفعل، تنبأ بها الأدباء والمبدعون قبل سنوات عديدة من حدوثها بالفعل، ولذلك فأن أفلام الخيال العلمي ليست أداة ترفيهية فحسب، على الرغم من أهميتها الترفيهية، انما هي أيضا مرأة لرؤية المستقبل.

السؤال الآن.. هل بعد كل ما تم تناوله من أفلام ومسلسلات وروايات عن خطورة الذكاء الاصطناعي على البشرية، هل الحرب حتمية؟.. دعني أكون صريحاً معك، واقعنا الحالي بات يشهد اعتماداً متزايداً على الروبوتات، والذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا من الحياة الحديثة، سواء في السيارات ذاتية القيادة أو في المساعدات المنزلية مثل Siri وAlexa، وتقييم الخبراء بحسب معهد مستقبل الحياة (FLI)، فإن بعض المخاوف المطروحة في الأفلام حول الذكاء الاصطناعي واقعية للغاية، لا سيما في حال تطور الذكاء الاصطناعي العام (AGI) دون ضوابط.

وفكرة  تمرد الذكاء الاصطناعي من أجل “حماية” الإنسان، على الرغم من أنها فكرة فلسفية أساساً مستمدة من تعارض القوانين الرئيسية التي تحكم عمل الروبوتات في المستقبل، فإن إيلون ماسك، نفسه وعلماء مثل ستيفن هوكينغ حذروا من احتمالية أن يتخذ الذكاء الاصطناعي قرارات لا أخلاقية من أجل تحقيق “هدف منطقي، وهو ما يمكن أن يكون  محفز للتفكير حول مستقبل علاقة الإنسان بالذكاء الاصطناعي”.””.

ويقول هوكينغ: “الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى نهاية البشرية”.

ولمعالجة مثل هذه المخاوف الحقيقية، اتخذت واشنطن وبكين على سبيل المثال، خطوة تاريخية، بالاتفاق الذي تم توقيعه بين البلدين منذ عدة أشهر وينص صراحة على أن البشر- وليس الذكاء الاصطناعي- هم مَن يجب أن يحتفظوا بالتحكم فى استخدام الأسلحة النووية، كما أكدا الحاجة إلى التفكير بحذر في المخاطر المحتملة وتطوير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري بأسلوب مسؤول.

وبالرغم من أهمية هذه الخطوة، إلا أنها في النهاية تظل خطوة، ولا يمكن التعويل عليها وحدها لحماية البشرية من الصراع القادم، ومع ذلك فإن الصراع مع الآلات أو الذكاء الاصطناعي ليس حتمياً في حد ذاته إذ يمكن للبشر اتخاذ مسارات بديلة لمستقبل يسوده الاستخدام السلمي والترفيهي للذكاء الاصطناعي دون تهديد نمط الحياة البشرية، ولكن هذا مرهون بكيفية استخدامنا نحن البشر للذكاء الاصطناعي، والضوابط التي ستحكم هذا الاستخدام.

——

*محمد ماهر: صحفي وباحث مصري مقيم في الولايات المتحدة، مؤسس صفحة “الركن الأمريكي” على فيسبوك.

للتواصل مع الكاتب عبر لينكيد إن .. اضغط هنا

للتواصل مع الكاتب عبر فيسبوك .. اضغط هنا

موضوعات ذات صلة