تجد غرف الأخبار في الصحف والمحطات الفضائية نفسها في مأزق عند الحديث عن الصين بسبب ندرة المعرفة بالشؤون الصينية، لذا يلجأ الصحفيون عادة إلى خبراء العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية لتغطية هذا النقص الذي يزيد من غموض هذا البلد البالغ عدد سكانه 1.4 مليار نسمة وتبلغ مساهمته عام 2023 في التجارة العالمية 12.3% متجاوزاً الاتحاد الأوروبي 11.4% والولايات المتحدة 10.8%.
والنتيجة عادة ما تكون ضعف الخدمة الإخبارية والتحليلية المقدمة للقارئ بسبب التعامل مع الصين ككتلة واحدة، دون معرفة تفاصيل أو كيفية صناعة القرار وطبيعة المجتمع وصراعاته وإشكالياته ما يعزز من الفكرة الأسطورية عن “التنين الصيني”.
الصين حاضرة بقوة في السياسة الدولية والصراع على زعامة العالم وهي فاعل في معظم الصراعات في الكرة الأرضية من حرب أوكرانيا إلى الأزمة في السودان ومن ماراثون تقاسم النفوذ والسيطرة على أفريقيا إلى مصير الدولة الفلسطينية ما يجعل من الصعب معرفة أصدقاء الصين وأعداءها أيضاً.
لا يجد الصحفي المهتم بتكوين صورة عن بكين مصدراً وافياً يجعله أكثر معرفة بالصين، رغم كمية الأخبار التي تظهر فيها الصين، بسبب أسلوب الأخيرة الهادئ في انتقاء الكلمات والمتحفظ في إصدار البيانات والتعليقات.
وتغيب عن الغالبية العظمى من الصحفيين السياقات الخاصة بعلاقات الصين مع الدول والملفات السياسية والاقتصادية رغم حضور بكين القوي والخفي في آن واحد، إذ لا يمكن ببساطة الانتباه إلى مسارات هذه العلاقات لأنها حذرة وبطيئة تنضج مع مرور السنوات وتتحول إلى رابط قوي خصوصا على المستوى الاقتصادي والذي يؤدي إلى تفاعلات سياسية عادة ما تكون لصالح الصين بالدرجة الأولى، وهي حالة أقرب إلى الاستعمار الناعم.
ولولا حاجز اللغة لكانت الصين قفزت في قوتها الناعمة إلى مستوى مرتفع، وهو الأمر الذي سيتغير على الأرجح خلال عقود قليلة خصوصاً مع عدم ميل بكين إلى التسرع في اتخاذ الخطوات المثيرة للانتباه على الأقل في الماضي.
أما الحضور القوي للصين على مستوى غرف الأخبار، فمصدره المنافسين مثل الولايات المتحدة الأميركية التي ترصد تصاعد قوة بكين وتعاظم خطرها وتمدد نفوذها على جميع المستويات، خصوصا أن أي أزمة تلوح بين القوتين الأكبر في العالم ترد عليها الصين بتحرك يكشف عن تقدمها المبهر مثل أزمة الرقائق الإلكترونية ومنع شركة هواوي الصينية من توريد معدات الاتصالات في أميركا وأوروبا باعتبارها خطراً على الأمن القومي، ورد الشركة على التهديد بحظر أنظمة التشغيل على أجهزتها بتطوير نظام تشغيل بديل لـ”أندرويد” وهو ما حدث بالفعل، وبعدها كشفت الصين عن قدراتها العسكرية المرعبة بتصنيع الروبوتات العسكرية والقاذفات ومقاتلات الجيل الخامس وحاملات الطائرات والغواصات.
ولا يبدو للمراقب العادي أن الصين منشغلة بترويج سردية منافسة للسرديات الغربية رغم أهمية هذا الأمر، ما يفسر قلة الأصوات الإعلامية النشطة في توضيح سياسات الصين وخدمة خطواتها التجارية أو نفي الشائعات التي يروجها الإعلام الغربي عنها من التقاليد الاجتماعية إلى المواقف السياسية.
الكاتب الصحفي سامي جعفر
